أبي حيان الأندلسي
110
البحر المحيط في التفسير
المندوبات . وأما الشكر بالجوارح والأعضاء ، فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه ، وذلك أيضا غير واجب . وقال غير هذا القائل الذي تلخص أنه يجب اعتقاد كونه مستحقا للتعظيم ، وإظهار ذلك باللسان أو سائر الأفعال إن وجدت هناك . وهذا البحث في وجوب الشكر أو عدم وجوبه ، كان يناسب في أول شكر أمر به وهو قوله : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ « 1 » . إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ : من ذهب إلى أن معناها معنى إذ ، فقوله ضعيف ، وهو قول كوفي ، ولا يراد بالشرط هنا إلا التثبت والهز للنفوس ، وكأن المعنى : العبادة له واجبة ، فالشكر له واجب ، وذلك كما تقول لمن هو متحقق العبودية إن كنت عبدي فأطعني ، لا تريد بذلك التعليق المحض ، بل تبرزه في صورة التعليق ، ليكون أدعى للطاعة وأهزلها . وقيل : عبر بالعبادة عن العرفان ، كما قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » . قيل : معناه ليعرفون ، فيكون المعنى : اشكروا للّه إن كنتم عارفين به وبنعمه ، وذلك من إطلاق الأثر على المؤثر . وقيل : عبر بالعبادة عن إرادة العبادة ، أي اشكروا اللّه إن كنتم تريدون عبادته ، لأن الشكر رأس العبادات . وقال الزمخشري : إن صح أنكم تختصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول اللّه تعالى : إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري . انتهى كلامه . وايا هنا مفعول مقدم ، وقدم لكون العامل فيه وقع رأس آية ، وللاهتمام به والتعظيم لشأنه ، لأنه عائد على اللّه تعالى ، كما في قولك : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ « 3 » ، وهذا من الموضع التي يجب فيها انفصال الضمير ، وهو إذا تقدم على العامل أو تأخر ، لم ينفصل إلا في ضرورة ، قال : إليك حتى بلغت إياكا إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ : تقدم الكلام على إنما في قوله : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ « 4 » . وقرأ الجمهور : حرم مسندا إلى ضمير اسم اللّه ، وما بعده نصب ، فتكون ما مهيئة في إنما هيأت إن لولايتها الجملة الفعلية . وقرأ ابن أبي عبلة : برفع الميتة وما بعدها ، فتكون ما موصولة اسم إن ، والعائد عليها محذوف ، أي إن الذي حرمه اللّه الميتة ، وما بعدها خبران . وقرأ أبو جعفر : حرم ، مشددا مبنيا للمفعول ،
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 152 . ( 2 ) سورة الذاريات : 51 / 56 . ( 3 ) سورة الفاتحة : 1 / 5 . ( 4 ) سورة البقرة : 2 / 11 .